الفيض الكاشاني

401

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وكان منهم من واظب عليه أربعين سنة » . أقول : الظاهر من طريقة أهل البيت عليهم السّلام أنّ هذا ليس بمستحسن وأنّه إفراط ودعوى فضل على هدي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في العبادة وظنّي أنّه محض فرض لا وقوع له ، وقد قال اللَّه سبحانه : « وجعل اللَّيل سكنا » ( 1 ) وقال عزّ وجلّ : « لتسكنوا فيه » ( 2 ) إلى غير ذلك في موضع الامتنان ومع صحّة الحكاية ففعل التابعين ليس فيه حجّة سيّما مع نفاق أكثرهم ، قال : « المرتبة الثانية أن يقوم نصف اللَّيل ، وهذا لا ينحصر عدد المواظبين عليه من السلف ، وأحسن طريق فيه أن ينام الثلث الأوّل من اللَّيل والسدس الأخير منه حتّى يقع قيامه في جوف اللَّيل ووسطه فهو الأفضل » . أقول : قد عرفت كراهة النوم في آخر اللَّيل عند أهل البيت عليهم السّلام في غير موضع ممّا أسلفناه كيف لا ؟ وقد مدح اللَّه المستغفرين بالأسحار والسحر قبيل الفجر بالاتّفاق ولكنّ المخالفين لمحرومون عن أمثال هذه الخيرات ، قال : « المرتبة الثالثة أن يقوم ثلث اللَّيل فينبغي أن ينام النصف الأوّل والسدس الأخير وبالجملة نوم آخر اللَّيل محبوب لأنّه يذهب النعاس بالغداة فكانوا يكرهون ذلك ويقلَّل صفرة الوجه والشهرة به فلو قام أكثر اللَّيل ونام سحرا قلَّت صفرة وجهه وقلّ نعاسه . وقالت عائشة : « كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إذا أوتر من آخر اللَّيل فإن كان له حاجة إلى أهله دنا منهنّ وإلا اضطجع في مصلاه حتّى يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة » ( 3 ) . وقالت : « ما ألفيته السحر إلا نائما » ( 4 ) حتّى قال بعض السلف : هذه الضجعة قبيل الصبح سنّة ، وكان نوم هذا الوقت سبب المكاشفة والمشاهدة من وراء حجب الغيب وذلك لأرباب القلوب وفيه استراحة تعين على الورد الأوّل من أوراد النهار » .

--> ( 1 ) الانعام : 96 . ( 2 ) يونس : 67 . ( 3 ) أخرج مسلم ج 2 ص 167 نحوه والبخاري ج 2 ص 69 ، والنسائي ج 3 ص 230 ، والبيهقي في السنن ج 3 ص 7 وص 46 باختلاف في اللفظ . ( 4 ) أخرجه مسلم ج 2 ص 168 ، وأبو داود ج 1 ص 303 .